الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
66
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
وما برحوا على ذلك حتّى سلّط اللَّه عليهم عباداً أُولى بأس شديد ، وهم الكلدانيّون ، وفي مقدّمتهم بخت نصّر ( نبوخذ نصّر ) « 1 » ، ففعل بهم ما لم تفعله الفراعنة بأسلافهم ، فجعلهم جذاذاً « 2 » ، وأحرقهم أحياءً ، وصار يعاقب عليهم الكرّة بعد الكرّة ، ويغزوهم في بلادهم من فلسطين مرّة إثر مرّة . وأعظم ما هنالك بليّة أنّه أحرق كتبهم المقدّسة وهياكلهم المعظّمة ، واكتسح أُورشليم ( بيت المقدس ) ، وفرّقهم في الأرض عباديد « 3 » ، وردّهم بعد الملك - وهم الأحرار - كالعبيد . ولم تزل الملوك من بعد هذا الطاغية تسير بهم في أوعر السبل وأخشن المسالك ، تسومهم الهوان والخسف وتجرّعهم مصبّرة الحتف ، وضُربت عليهم الذلّة والمسكنة ، حتّى أمعنت بهم أرجلهم في الهرب من الرهب ، وتفرّقوا أيدي سبأ « 4 » في شاسعات البلاد وزوايا الأرض أوزاع مشتّتين خلف كلّ باب من عمران أو يباب « 5 » ، طوى الدهر عليهم ما يناهز العشرة قرون وهم على ذاك ومثله .
--> ( 1 ) نبوخذ نصّر أو بخت نصّر ملك بابل المعروف ، كان نائباً للملك لهراسف ملك الفرس ، ولم يكن ملكاً مستقلّاً ، وكان محبّاً للعلم مقرّباً للعلماء والحكماء سفّاكاً للدماء ، وفي السنة الرابعة من ملكه سار بالجيوش إلى الشام وغزا بني إسرائيل ، لما حصل منهم من فعل القبيح والتغيير والتبديل ، فسباهم السبي المعروف بالسبي البابلي ، ثمّ غزاهم مرّة أُخرى وخرّب بيت المقدس وسباهم كذلك ، ومن الأنبياء الذين كانوا في زمنه : دانيال ، وحزقيل ، وأرميا عليهم السلام . هلك سنة 562 ق . م ببعوضة دخلت دماغه على ما قيل . ( الأُنس الجليل 1 : 148 - 154 ، المنجد في الأعلام 571 ) . ( 2 ) الجذاذ : قِطَع ما كُسِرَ . ( العين للفراهيدي 6 : 11 ) . ( 3 ) العباديد : الفرق من الناس الذين يذهبون في كلّ وجه . ( صحاح اللغة 2 : 504 ) . ( 4 ) راجع مجمع الأمثال 1 : 384 . ( 5 ) أرض يباب ، أي : خراب . ( القاموس المحيط 1 : 146 ) .